أورسولا إيغواران : مئة عام من الأمومة

لم يصرح ماركيز بفكرته عن الأمهات (وكأنهن يخلقن الأشياء). ولكنه فعلها بعبقريته في الرواية الأشهر (مئة عام من العزلة). كانت أورسولا أمًا بديهية، لا ينتبه لمعاناتها أحد حتى تختفي. ومثلما حرّضت - بدأب يشبه دأب نملة- نساء القرية ضد تقلّب أهواء رجالهنّ، كانت مهمتها في الرواية كالنملة، تقف أركان الرواية على صلابتها وخفّتها.
لقد أخرجت روايات كثير أمهات لا يختلفن عن أورسولا سوى في البيئة، مثل (أمينة) الأم العربية المقموعة في ثلاثية نجيب محفوظ والتي جسّدت الخضوع والاستسلام بأوضح مظاهره وأبرزها، التي ألفت الاستبداد وتفاهمت معه ورضيت به، والأدهى من ذلك؛ ربّت أولادها على أساسه.
ومثل الأم الروسية (بيلاجيا نيلوڤنا) في رواية الأم مكسيم غوركي برغم أنها قصة ثورية، إلا أن الأم تجلّت في أعظم أدوار التضامن والدعم. وهذه الرواية - من وجهة نظري - تحاكي فصل الأم المخفية من كتاب الأمومة وأشباحها لإيمان مرسال، حيث تختفي الأم لتظهر طفلها بصورة ملائمة؛ وإن كانت تورده إيمان في سياق الصورة الفوتوغرافية، فإنها من جانب آخر تشير إلى اختفائها من صورة الحياة أيضًا.
أما الأم الكورية (بارك سو نيو) في رواية أرجوك اعتن بأمي. فقد استُحضرت أمومتها من الذاكرة عندما هام الأبناء على وجوههم بحثًا عنها، وكشفت لهم الذكريات متانة غطاء (الأم) الذي كان يداري عريّهم.
تأتي الأم الصينية في رواي لبيرل باك مبهمة، ومن دون اسم، لتكون حكاية عن (أم) نستطيع تعريفها بملايين الحكايات المشابهة حول العالم.
أعود لأورسولا ، الشخصية التي أثارتني أمومتها وحفّزت رغبتي في تعقّبها، تحت شعوري بالذنب - ربما - لأني همّشتها في البداية، لقد شاغلني تقافز الأحداث والتشابك بين شخوص الرواية. مثلما نفعل في حياتنا الواقعية حين لا ننتبه لحجم ما تصنعه الأمهات، نستيقظ وكل شيء في مكانه، متجاهلين أننا نمنا وكأن معركة قد وقعت في حياتنا. هذا بالضبط ما فعله ماركيز. كانت أورسولا شخصية أساسية موجودة طوال الرواية. وفي لحظات موتها عندما توقف المطر وحانت ساعتها الأخيرة، تفاجأت بشعوري أن الرواية انتهت.
استمرت أورسولا طوال الأعوام تقوم - بدافع المسؤولية - بمهمة مؤذية قرّحت روحها، فكانت تتحمّل بكدّ نتائج ذنوب السلالة، وتتعثر لاهثة لتكفّر عنها. "في ذلك البيت المهووس، كانت أورسولا تناضل للحفاظ على الحس السليم". ويبدو هذا جليًا عند قولها لأركاديو - حفيدها غير الشرعي - بعد أن صار حاكمًا دكتاتوريًا ومستبدًا "اقتلني أنا أيضًا يا ابن أم السوء. فهكذا لن تكون لي عينان تبكيان عار أنني ربيت ظاهرة عجيبة مثلك". وعندما وقَفَت أمام أعضاء المحكمة رافضة استبداد ابنها الكولونيل ورعانته قالت: "إننا نملك الحق مهما بلغت ثوريتكم بأن ننزل بناطيلكم، ونضربكم على مؤخراتكم لدى أول إساءة للإحترام". وقد نقلت جثّة بيترو كرسبي إلى بيتها وسهرت حدادًا عليه لشعورها بالعار أمام ما فعلته ابنتها أمارانتا به. وإحساسها المزمن بالخزي من زواج ابنها خوسيه أركاديو من ابنتها بالتبني ريبيكا. كما عاشت عمرًا ممتدًا راكضة بين أزقته لتنقذ ما تبقى من ماء الوجه الذي تتسلى السلالة في إراقته.
يصوّر ماركيز محنة أورسولا بينما كانت تحاول "أن تلقي عن كاهلها كل شيء دفعة واحدة، وتُخرج من قلبها مالا حصر له من ركام الكلمات البذيئة التي كان عليها أن تبتلعها على امتداد قرن من الخضوع فصاحت: كراخو!" وقد ظنت أمارانتا أن عقربًا قد لسعها ولكنها عندما سألتها فزعة أين الحيوان؟ وضعت أورسولا إصبعها على قلبها وقالت: هنا. وأي شيء غير خضوعها للمشاعر المتراكمة بالذنب كانت تقصده بالإشارة إلى قلبها كحيوان؟
يقول ماركيز "عاد البيت بعد موت أورسولا إلى السقوط في إهمال لا يمكن أن تخرجه منه حتى إرادة حازمة". ما جعلني أتسائل؛ من البطل بين أولئك الذين يعيثون في الأرض؟ من تلهث خلفهم أورسولا بمحاولاتها الهزيلة لتطفئ حرب الجنون والمجون. كانت أصوات آل بونديا تعلو، وتطنّ، وكان على القارئ أن يركز جيدًا ليعرف من أين انحدرت كل تلك الشخصيات. وحدها أورسولا، الأم المتوجسة دائمًا لم تكن بحاجة لإمعان.
عندما فقدت أورسولا البصر لم يلاحظ أحد. وقد عرَفَت غريزيًا أين تأخذها كل خطوة دون الحاجة لتبصر. إضافة إلى أنها لم ترغب في لفت انتباههم خشية أن يقرّوا بعدم نفعها. وما دمن الأمهات يواصلن التظاهر كبطلات فلن نعرف أبدًا ما يعانينه. وإن احتاجت يومًا لاظهار ضعفها فإنها تخشى أن يؤثر على أبنائها، أو يوهنهم، أو - قبل كل شيء-  لن تنس أنها ستوصم لا محالة بالأم غير المسؤولة لأنها لم تتمكن من احتماله؛ في حين كان واجبًا عليها - بأي طريقة كانت - أن تتحمّل.
في الغالب نحن أنصار مئة عام من العزلة بيننا اتفاق وثيق على أن أورسولا هي بطلة الرواية بلا منازع، ولكن لن يكفي حتى مجلدًا آخر بحجم الرواية لدراسة بطولاتها. البطولات نفسها المفروضة على كل الأمهات كواجب لازم الإنجاز.
ما الذي سيختلف في رؤيتنا للرواية لو أعدنا عنونتها لمئة عام من الأمومة؟ من وجهة نظري؛ لا شيء، ستبقى الرواية مثلما هي، مدهشة، ساحرة، وأرضها من الرحابة تتسع لمئات القراءات والتأويلات.
منيرة

اترك تعليقا

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها