.

الالتفات بزاوية 220 درجة نحو الجحيم.

"الموتى محظوظون، فقد انتهى كل شيء بالنسبة إليهم"
الضابط روميل في رسالة إلى زوجته أثناء الحرب العالمية الثانية

بصراحة تامة لست ممن يراجعون الكتب، ويكتبون أسطراً طويلة شرحاً لما قرأوه، أو إعجاباً بما صادفوه فيها، وتعليقاً هنا وهناك انطلاقاً من زواياه الشخصية وعينه الناقدة أو القارئة.

لكنني هنا، في هذا الكتاب بالذات، الذي قرأته مرتين في أربعة أيام متتالية، كانت حاجتي للكلام كبيرة = للصور، الصور التي يسكنها أشخاص عُذّبوا وتألموا ولم يمسنا شيء منها سوى ذلك الوخز الذي يبدأ صغيراً ثم ينتشر على طول الجسد ويكتمنا ويمنعنا من الحركة.

عندما قلت "مرتين متتالية"، سيفهم الآخرون-بلا شك- بأنها طريقة مبالغة تحثهم لاقتنائه، لكن الأمر لا ينحو هذا المنحى، بل هو دعوة جادة ليس للالتفات مثلما تقول سوزان، إنما من أجل الوقوف أمام صور آلام الآخرين، للحوار معها وإقامة اتصال مع أرواحها.

إن ما دعاني لامتلاكه، ليس عنوانه الجذاب، ولا كاتبته التي لم اقرأ بعد جميع مؤلفاتها، إنما اللوحة التي تم اختيارها بدقة عالية على غلافه، فهي لوحة لأحد الفنانين الإسبان في القرن التاسع عشر(Francisco Goya 1747-1828) الذي ينقل من خلالها الفظائع التي ارتكبها جيش نابليون عندما قاموا بغزو إسبانيا عام ١٨٠٨م فهي صورة مرسومة مباشرة بقلم رصاص، بلا ألوان أو أي خدع أو زيادة ونقص، فصور الحرب كما يعتقد وكما نعرف، ليست مجالاً للاستعراض، إنما شاهد صامت على ألف كلمة ضاعت في هواء مسموم بالدم والضغينة والخوف والألم والشر الإنساني.

في كتاب"ليس للحرب وجه أنثوي" تقول سفيتلانا عندما أردتُ أن أتحدث مع إحدى الناجيات من الحرب رفضتْ الحديث معي " لا يمكنني، لا أريد أن أتذكر". لا أحد يرغب في استحضار أحداث بطعم الصيف المر ومنها الحرب ولو على نحو شفهي، لأن الذكريات المغلق عليها في زاوية بعيدة، عندما نفتح أبوابها بواسطة الكلمات، في هذه اللحظة بالذات، يوجعنا صداها، توجعنا قيامتها مثل حيوان شرس ينهض ويهز الماء من على جلده -لطالما كرهت حركة الحيوانات المبللة وهي ترتجف بقوة لإزالة الماء العالق بها، أشعر بأنها الرجفة الأخيرة قبل الزوال-، نحن الذين فضلنا موتها أكثر من أي شيء آخر.

لكن الصورالمعذّبة، عندما أشاهدها، أتذكر فيلم بونويل “كلب أندلسي ١٩٢٩" عندما يفتح أحدهم عين المرأة ويمرر الموس داخلها.إنك مجبر على أن تفتح عينيك، إنك مجبر على تشاهد وأن تتألم.

-سأخرج عن الطريق- الفيلم القصير لبونويل، لم يعجبني أبداً ، إنه خليط من أحلام بونويل ودالي المريضة في إحدى لقائاتهم، مزيج من كل شيء ولا شيء.يقول بونويل في يومياته أنه هو ودالي اتبعوا هذه القاعدة البسيطة الغريبة : " عدم قبول أي فكرة أو صورة يمكن أن يكون هناك أي مجال لتفسيرها بشكل عقلاني أو سيكولوجي أو ثقافي، وفتح كل الأبواب على اللاعقلانية دون أن نتطلب أكثر من أن تؤثر الصور فينا،ومن غير أن نعمل على معرفة السبب"

سوزان في واحدة من مقالتها (ضد التأويل 1964) ترد باختصار على إقرار بونويل السابق وبطريقة غير مباشرة : "فالفن الحديث هو محاولة، بالمعنى العادي للكلمة، لإلغاء المضمون، وبما أن المضمون معدوم، فالتأويل ينتفي"وهذا ما سعى إليه بونويل وحصل عليه.

نعود لكتاب سوزان وصور الحرب. تعرف سونتاغ أن الحرب ليست بعيده عنا ،إنها حولنا، تسكننا "والحروب الآن مشاهد وأصوات داخل غرفة المعيشة"، وتستمر تتدفق أمام أعيننا على مدى ساعات وساعات، حتى تكف عن تؤذينا ونصبح متبلدين تجاهها، أو نحول أعيننا نحو أشياء أكثر جمالاً أو تفاهة بسبب عجزنا عن عمل شيء إزاءها.

عندما تقول أن الحرب تصل إلينا ونحن على طاولة الطعام أو على سرير النوم، فهي تدعونا إلى أن نتأملها، إلى أن نفهم ونتعلم ونتعمق في أسباب المعاناة ونفككها، "ليس هناك خطأ في الوقوف بعيداً والتفكير". إن صور الجنود الموتى، الأسرى المكبلون وهم يساقون للإعدام، التعذيب تحت البنادق والهراوات، الأرض التي أكلها البارود والمنازل التي تشوهت جوانبها، كلها تصرخ في وجوهنا :"أوقفوا الحروب"، لكننا لا نستطيع أن نتخيل "كم هي الحرب مخيفة، مرعبة؛وكيف تصبح شيئاً عادياً"

تتحدث عن صور من حرب البوسنة، من فيتنام، من العراق، أفغانستان، وحروب أخرى لم أسمع عنها أبداً، لأنه باختصار :"لا يوجد حرب، إذا لم يكن هناك تصوير". فالتصوير وثيقة، كمشة عزيزة من رمل الزمن الذي يتحرك باستمرار في ساعة رملية لا ندري ما نشهد آخر ذرة رمل تسقط منها.

ما علق في ذهني ولا زلت أكرره، هو قول أحد الصحفيين عن صور الجثث التي التقطها جاردنر في معركة أنتينام ١٨٦٢م : "ورغم أنه لم يحضر الجثث ولم يمددها أمام أبوابنها وعبر شوارعنا، إلا أنه فعل شيئاً يشبه ذلك"، فهذه هي وظيفة الصور، ان تصدم، أن تُرعب، أن تجرح من دون أن تجعلنا نفهم أسبابها، وهذا ما يزيد من غضبنا،ومن لا مبالاتنا، وربما شهوتنا لرؤية المزيد والمزيد منها. فالصور ليست مقتصرة على مشاعر التعاطف والحزن والندب بل ربما كانت كل هذه غطائات نضعها فوق مشاعرنا الحقيقية تجاهها، لننأى عن الأحكام الأخلاقية التي توجهها أصابع الأخرين الذين سيسعدون بدورهم وهم في دور قاضي على منصة.

"إنني مقتنع بأن لدينا درجة من الإبتهاج،ليست بصغيرة، إزاء محن الآخرين" ، أعتقد بأنها تريحنا وتمنحنا العزاء أمام آلامنا الشخصية، نجعلها وسيلة للمقارنة بين ما نحن وما هم عليه.إن أحكامنا التي نطلقها من مسافة آمنة وبعيدة تجاه صو الحروب تبقى ضالة ومحدودة وفيها نوع من الشفقة والأنانية، التي تدفعنا لاستخدام أدنى درجاتهم لمنفعة شخصية وهي التحصين وزيادة الصلابة ضد كل مناخ بشع. يؤكد هذا الكلام مورافيا في السأم " اعترفتْ بأنها كانت تتألم، وهذا بالذات ما أردتُ أن أحملها على الاعتراف به لأخنق سأمي بمنظر عذابها"، وهذه من المواضيع الصادمة"جاذبية الشر"والتي لا أعتقد بعدم نزاهتها أوردتها سوزان في الكتاب مع ذكر تفاصيل مهمة و-ممتعة-. أرأيتم أن الآلام توقظ كلب لعين مبتسم داخلنا؟.الإجابة لكم.

عندما تصادفني كلمة -حرب-، يحضر في بالي فيلم لألن رينيه " Night and Fog 1955” نصف ساعة من الوحشية البشرية التي تنقلها الكاميرات في الحرب العالمية الثانية،وهي وثيقة تؤكد على أنك لا تقدر على تحمل الصور المعذّبة فتلجأ للصمت،ولإنقاذي من تعابيري المضطربة الساذجة لوصف تأثير الفيلم سألجأ لوصف بارت :"بيد أنه تأثير قاطع، ومع ذلك فهو يهبط في منطقة غامضة من نفسي، وقد أجده حاداً ومختنقاً، وهو يصرخ بصمت".

تطرح سوزان كذلك عدة أسئلة في بالغ الأهمية : ماذا نفعل بمثل هذه المعرفة حول الألم البعيد عنا كما تأتي بها الصور؟، ماذا نفعل بهذه الأحاسيس التي استثيرت تجاه شيء لا نستطيع ايقافه؟ هل هناك ترياق يشفي من الغواية الدائمة للحرب؟هل يمكن تعبئة المرء بشكل فعال لمعارضة الحرب بواسطة صورة؟والكثير من الأسئلة التي تجيب عليها، لكن في نهاية الكتاب تقر بهذه الحقيقة :

 

أنا شخص يحب تأمل صور قديمة أشخاصها غادروا، وفي كل مرة تقع عيني عليها، أشعر بأني لست أمام ورقة، بل أمام روح كفت أوتار حنجرتها عن أن تهتز، ولم يبقى سوى نظرة ضائعة تحدق بك،فكل نظرة للصورة بالنسبة لي تعني إعادة إحياء ما هو ميت.

الصور، ما الذي يمكنني أن أقوله عنها ؟ فـ "كل ما زاد ما أرويه تعزز الدليل على تضاؤل قدرتي على الوصف" تقول جوديث، وأؤكد ذلك هنا، عند هذه النقطة الأخيرة من الكلام الذي أتمنى أن جملة واحدة على الأقل أخذت تأثيرها.

اترك تعليقا

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها