.

حياة الفراشات

حياة الفراشات

بائع
منشورات المتوسط
سعر عادي
68.00 SR
سعر البيع
68.00 SR
تكلفة الشحن ستحسب عند اتمام الدفع
يجب أن تكون الكمية 1 أو أكثر

يشيِّدُ يوسف فاضل في روايته "حياة الفراشات" حياةً بأكمَلها، وإن بدت ناقصةً، إلَّا أنَّه نقصانٌ مقصودٌ تكشفهُ أيامُ الرّواية الخمسة: السبت وهو يوم الانقلاب، الأحد وهو يوم عيد الميلاد، الاثنين وهو يوم الحبّ، الثلاثاء وهو يوم النّكسة، والأربعاء وهو يوم السّفر، وقبل اليومِ الأخير، سنجدُ أنفُسَنا وقد عشنا هامشَ الهامِش، ولامسنا بأيدينا أقصى القاع في مدينةِ الدَّار البيضاء، وما من بياضٍ إلَّا لسيّارات نقل الموتى والنعوش وخِيَم الأعراس التي تتحوَّل إلى مآتم، لنتساءَل: كم هي خاسرة صفقةُ الحياة؟ وهل كلُّ شيءٍ نختاره سيكون الشيء الخَطأ؟وتزعم منشورات المتوسط في كلمتها على غلاف الكتاب، أنَّنا ما أنْ نشرع في قراءةِ الرواية حتّى تنطلق من حولنا الموسيقى، تُداهمُنا من النَّافذة، من الجدران الصّمّاء، من ذاكرتنا المُنهكة. نتتَّبعُ خطى شخصياتٍ يتقمَّصُها الرَّاوي، بل نتشابك مع مصائر تلك الشخصيات وهي تمضي وتتقاطع وتنتهي على أرضٍ غير صلبةٍ، حيثُ الحبُّ المُشتعل، والمدينةُ المُلتهبة، والجنون المُتَّقد، حيثُ الحكاياتُ والأنغامُ والمقطوعاتُ الموسيقية الصَّاعدة مع دخَّان نادي "دون كيشوت" المحترق، والمتناثرة هنا وهناك كجثثٍ متفحِّمة.
من الكتاب:
اليوم أقدمتُ على خطوة حاسمة. بدل السير خلفها، كما دأبتُ على هذا منذ شهريْن وزيادة، انتقلتُ إلى المرحلة الثانية. دنوتُ منها، شيئاً فشيئاً. حابساً أنفاسي. متنصِّتاً على حذائي. إنه لا يُحدِث صوتاً. وعرفتُ في هذه اللحظة أنني إنسان محظوظ. لأنني في هذا الصباح انتعلتُ حذائي الرّياضيّ. ذلك أن لي خطَّتي. وأعرف أنها لن تقدر على مقاومتها. خطَّتي: 1. أسير إلى جانبها، كما لو أن الأمر حدث بالصدفة. 2. لا أنبس بكلمة، منتظراً ردَّ فعلها أوَّلاً. 3. ألتصق بها مسافة معيَّنة. 4. ثمّ أمسك بيدها. أو تمسك بيدي. على حسب. وخطر على بالي هذا الصباح أن أحمل مظلَّتي. أليس هذا أمراً عجيباً؟ نحن في الصيف ولن ينزل مطر حتَّى لو استجديناه. هذا ما قلت، وحملتُ المظلَّة مع ذلك. حتَّى وأنا أدرك أن للمظلَّة منطقها الذي يخالف منطقي. للأشياء حياتها الخاصَّة. هذا ما قلتُ. وهذا ما يجعلني أفهم السبب الذي جعل المطر ينزل في تلك اللحظة. ويفاجئنا معاً بشكل لا يخطر على البال. هل ترين أنني أحمل مظلَّة؟ واندهشتْ. وتعجَّبتْ. إنني أملك مواهب خارقة. كأن أحمل مظلَّة في الوقت الذي نكون فيه بعيدين عن الاعتقاد بأن السماء قد تمطر. إنها تنظر إليّ الآن بعين جديدة. وتتساءل مَنْ هو هذا الشّابّ المبهِر؟ وهذا ليس اعتقاداً. هذا واقع الحال. ولا أحد يستطيع حياله شيئاً. الأمر هكذا والسلام. أن أبهر الناس هو جوهر ما ظللتُ أتطلَّع إليه.
نسير جنباً إلى جنب. حسب الخطَّة التي وضعتُ. لا صوت غير صوت المطر الذي ينزل عنيفاً. في هدوء الليل وفراغ الشارع. عاصفة المطر المفاجئة دفعها للاحتماء تحت مظلَّتي. هذا هو الحظّ. إنها فعلاً التصقت بي. جذبتُها تحت مظلَّتي، ممسكاً بأصابعها برفق. وهذا دليل آخر على ما أحدثتْهُ المظلَّة في نفسها. كأنها احتمت تحت جناحَيَّ. إنه المطر، غريب الأهواء، الذي يأتي في غير وقته. الذي يأتي تارةً ليُخرِّب المُدُن، وتارةً ليبني العلاقات. يجب على المرء أن يتعلَّم من المطر. ويحمل مظلَّة عندما يرى أن السماء صافية. تمكَّنْتُ، إذنْ، أن أمسك بيدها. بأصابعها الخمسة. طيلة عشر ثوان طويلة شعرتُ فيها بقلبي يضرب بشدَّة. وحتَّى عندما سحبتْها بقي أثر مَلْمسها سارحاً على كفِّي. حارقا كأثر قنديل بحر وهو يمرُّ على جِلْدكَ. أكتشفُ أن كتفها أعلى من كتفي. إنها أطول قامة ممَّا كانت عليه وهي بعيدة. تنفَّستُ عميقاً، وتركتُ هواء الصباح يُنعش كل حيِّز في رئتَيَّ. لقد أعددتُ العدَّة المناسبة لهذا الاقتحام الحاسم.