في ذكرى ولادة مارسيل بروست .. أرجو أن تتقبل مني الصمت ولا شيء سواه.

 
يكتب مارسيل بروست إلى دي نويلز بعد وفاة والدته (١٩٠٥ ) : "لقد توفيت أمي لكنها أخذت حياتي ونفسي معها" وفي أخرى بعد ثلاثة أيام إلى لويزا : "غرفتها الآن فارغة مثل حياتي وفؤادي" وفي رسالة ثالثة إلى روبرت : "منذ وفاة والدتي أصبحت حياتي بلا غاية،بلا حب بلا عزاء، بلا جمال"
بروست كان متعلقاً بوالدته مثل شجرة لبلاب على جدار، وأي نأمة رفض، أو تقطيبة غضب، كانت بمثابة عذاب لا نهائي بالنسبة إليه، يتذكر في روايته البحث عن الزمن المفقود، القبلة الضائعة التي حرمه منها أحد الزوار في طفولته، قبلتها له قبل النوم هي أقصى النعيم، الجناح الهائل لملاك حارس، وإن لم يحصل عليها، فانهياره قريب، وجحيمه بدأ يمتد من داخله نحو كل ما يحيط به.
وبعد أن أدركت والدته عصبيته وعدم مقدرته على النوم، صعدت إلى غرفته فسقط باكياً بين ذراعيها "وأضحى بمقدوري أن أبكي دون إثم" ثم يضيف "إن أعظم أمنية لي في الدنيا، هي الاحتفاظ بوالدتي في غرفتي أثناء هذه الساعات الليلية الحزينة" بروست الذي ظن الجميع بعد ولادته أنه أضعف من أن يستمر في الوجود،الصدر المسكون بأيدي الربو التي تخنقه كما تشاء، كف الواقع أن يزوده بأي متعة نظراً لصحته الرديئة، فأرسل روحه لكومبريه بيت الطفولة فبدأ باتخاذ ذاكرته ملجأً له،عزاءً وحياة. فقد كتب للويزا عن حقيقة أوجاعه، والمرارة القاسية التي تطبق على جسده "أنا محروم من كل شيء، من الهواء العليل ومن ضوء النهار، ومن مزاولة أي عمل، ومن أي متعة، باختصار أنا محروم من الحياة نفسها،هل من طريقة لتغيير هذه الحال؟، لم يعد بوسعي أن أجيب على هذا السؤال، فحياتي كلها وليس شبابي فقط تضيع هدراً" كل لمسة، وكل رائحة، وكل تذوق، تضرب أرضاً جافة في داخله وتظهر منها كل الذكريات البعيدة في أيام طفولته وشبابه، وهكذا يسعنا أن نقول أن كتابته كلها ليست ابتكاراً، إنما يكتب"بما سبق أن أحس به إحساساً شخصياً" بل إنه يدون بطريقة الفنانين الانطباعيين كما يقول مار "ارسم ما ترى وليس ما تعرف" عندما يستدعي في كتاباته حركة، أو صورة طريق و منزل وأثاث أو شخص، إنما هي سقطة حسرة على ضريح، زفرة كئيبة تبكي الزمن المفقود، بالذاكرة نحن نهرب من وضع معقد، إلى مكان أكثر واقعية بالنسبة إلينا ولو كان ممزوج بحزن، إلا إنه حزن رقيق ولذيذ، يُشعرنا بأنا كنا أحياء في وقتٍ مضى.
“وبالمثل نظن أننا لم نعد نحب الأموات. لكن مرد ذلك أننا لا نتذكرهم، فلنبصر قفازة قديمة على حين غرة. وها نحن ننخرط في البكاء يفضل نعمة سويعة أخرى" ... ج.إليوت
إننا نستطيع أن نفهم أنفسنا من خلال الذكريات أكثر من أي شيء آخر، ويمكننا كذلك أن نفهم آليات كرهنا وحبنا، خداعنا ورغبتنا وفرحنا من عدسة بروست التي تجولت في مدينة ذاكرتها "البحث عن الزمن المفقود"، فربما كان أساسنا واحد، وبناءاتنا مختلفة.
صحيح أنني لم أقرأ سوى الجزء الأول ونصف الثاني، -باعتقادي أنها رواية ستمتد قراءتها على طول طريق حياتي- إلا أنني لم أعش لحظات دقيقة وواضحة وصريحة ومدهشة ومتقنة مثل ذلك الوقت، المقدرة الفذة، في إعادة خلق كل نقطة إحساس وكل جزء مادي مر به أو أمامه، كان لوحده أمر يستحق الإعجاب به. أستطيع أن أقول عنه كذلك أنه "الكاتب الطفل"، فعبقريته ناتجة من نظرته التي تحوز على جميع مواصفات نظرات الصغار، الاندهاش، التفكيك، الإعجاب، الاستيلاء، نظرة نقية تشريحية ومصوبة بوعي حاد تجاه ما يحيط بها.
في نهاية حياته، يتذكر صديقه هنري ديفيرنوا رسالة بروست الأخيرة له قبل وفاته "هنا، على الطاولة تقبع آخر رسائله التي كتبت بخط مرتعش متذبذب خطته يد أمسكت بها قبضة الموت الباردة، إنها رسالة نحيلة بائسة قرأتها بكل مشاعري وأعدت قراءتها وكانت الدموع تملأ عيني في كل مرة.."هذه الجملة الصخرية الختامية القاتمة التي أغلق بها بروست مجرى حياته في رسالته لهنري، هي بمثابة حداد طويل من تشرين الثاني ١٩٢٢ حتى هذه اللحظة :
"أرجو أن تتقبل مني الصمت ولا شيء سواه"

2 من التعليقات

  • الرجاء ابلاغي عند توفره

    فاطمه
  • أُعجبت ب بروست بعد كتاب آلان عنه وزال انطباعي المبدئي , ودائما أفكر في مايقلقه وهو اللي عبر عنه ب " عزائي الوحيد حين أكون حزينًا حقًّا هو في أن أُحِب وأُحَب"
    مقال جميل

    Naif

اترك تعليقا

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها